أبو ريحان البيروني

4

القانون المسعودي

جورج سارتون أكبر مؤرخ لتاريخ العلم في العصر الحديث يقول في كتابه العظيم " مقدمة لتاريخ العلم " : عندما أمسى الغرب مستعدا استعدادا كافيا للشعور بالحاجة إلى معرفة أعمق ، وعندما أراد آخر الأمر أن يجدد صلاته بالفكر القديم ، التفت أول ما التفت ، لا إلى المصادر الإغريقية ، ولكن إلى المصادر العربية . أما بريفو " Briffault " في كتابه تكوين الإنسانية فيقول : " العلم هو أجل خدمة أسدتها الحضارة العربية إلى العالم الحديث ، فالإغريق قد نظموا ، وعمموا ، ووضعوا النظريات ، ولكن روح البحث ، وتركيم المعرفة اليقينية ، وطرائق العلم الدقيقة ، والملاحظة الدائبة المتطاولة كانت غريبة عن المزاج الإغريقي ، وإنما كان العرب هم أصحاب الفضل في تعريف أوروبا بهذا كله ، وبكلمة ، فإن العلم الأوروبي مدين بوجوده للعرب " . وحين نتذكر كم كان العرب بدائيين في جاهليتهم يصبح مدى التقدم الثقافي والعلمي الذي أحرزوه خلال مائتي سنة انقضت على وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ليس غير ، وعمق ذلك التقدم ، يصبح ذلك أمرا مذهلا حقا ، ذلك بأن علينا أن نتذكر أيضا أن النصرانية احتاجت إلى نحو من ألف وخمسمائة عام لكي تنشئ ما يمكن أن يدعي حضارة " مسيحية " . لقد كان للعلوم الدينية في صدر الإسلام من أصول للفقه ورواية للحديث أثر بالغ في إكساب الحضارة الإسلامية طابعا جديدا أساسه الرغبة المتقدة في الحصول على فهم أعمق للعالم كما خلقه اللّه ، وقبول للعالم المادي ، لا بوصفه دون العالم الروحي شأنا ومقاما ، ولكن بوصفه صنوا له في الصحة والرسوخ ، واقعية قوية تعكس في صدق وإخلاص طبيعة العربي اللاعاطفي ، أضف إلى ذلك أن علم الحديث قد مهد للأسس العلمية أن تبرز ملامحها ، ذلك لأنه يعتمد فيما يعتمد من الأمور على تحري الدقة المتناهية ، والنزاهة التامة ، والعمق الشديد في التفكير للوصول إلى جذور الحق والمعرفة ، ففي الإسلام لم يول كل من الدين والعلم ظهره للآخر ويتخذ طريقا معاكسا كما حدث في الحضارة المسيحية ، لا ، والواقع أن الأول كان باعثا من البواعث الرئيسية للثاني ، ويؤيد كلامنا هذا كثرة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تشيد بالعلم وتدفعه دفعا . العوامل الاقتصادية التي ساعدت على ازدهار علوم الحكمة والرياضيات استتبت الأوضاع للعلوم الدينية ، وتهادنت الفرق الإسلامية المتنابذة من معتزلة وأشاعرة وقدرية وشيعة وخوارج وإباضية ، وكانت الأسباب التي دعت إلى